عمانيات

القناعة فقرٌ لا يفنى

 

لماذا ترفعُ جدرانُ البيتِ

قامتـَها في ترابِ الوطن

وأنا سوسنة المنافي !!

سوسنة المنافي حمدة خميس هذا عنوان كتابي النقدي عن تجربة حمدة خميس في الإغتراب السياسي، وقد زارتنا سوسنة المنافي مؤخرا، وحلتْ ضيفة على جمعية الكتاب والأدباء، لتشارك في احتفال  يوم الشعر العالمي، ومن ضمن برنامج الزيارة الذي أعدته جمعية الكتاب والأدباء مشكورة لها، حضور برنامج الأوبرا، ولأنها فنانة بصدق كانت حواسها جميعا تلتقط المشاهد بدهشة بكر، لقد صورتْ سقف باحة الإنتظار، وهي تردد ما شاء الله إبداع مشوب كالعادة ببصمة عمانية، بعد انتهاء البرنامج خرجتْ تترنم بالإيقاع الجنوب أفريقي، سهرنا بعدها على طاولة نقاش في الفندق حول عمان وطبيعتها وسحرها على النفس، كانت تردد : كم أتمنى أن أعيش بينكم، مازالتْ الفطرة العمانية مدهشة، مازال الإنسان العماني يحتفي بك بألفة وود، ويسعى للحضور وللإستماع، رغم صعوبة الجو وتقلباته تلك الليلة الماطرة، مازالت المدينة بطابعها المبهج لم تناطح السحاب، ولم يأكل وجه المدينة مسلحات الحديد، ولم يحجب عنكم الزجاج وكتل الأسمنت رؤية سماء الله، ما أجمل البساطة عندما تعانق الذوق، استمعت لها دون أن أقاطعها فأنا أحب بساطة هذه الفنانة ونقاء جوهرها، وروحها المعبق بالجمال والشعر، وأكملتْ لقد ورث أبنائي عشقي لهذه البلاد فهم يترددون على عمان دائما، قلت : نحن العمانيين، قاطعتني : كلنا عمانيون عزيزتي، وإن تقاذفتنا المنافي، فأصولي أبا وأما من هذه الأرض، وحنيني لها لا ينقطع، ثم امتد بنا الحديث لنتناقش في مواضيع شتى عن الشعر والكتابة والنقد والفكر، وتوقفنا عند مقولة :  ( القناعة  كنز لا يفنى ) افترقنا على وعد متابعة تبادل المقالات، وحول هذا الموضوع بالذات .

ما هي القناعة ؟  القناعة لغة ” قَنَعَ الرَّجُلُ ” : رَضيَ بِالقَلِيلِ . ” قَنَعَ السَّائِلُ ” : سألَ، تَذَلَّلَ، ” قَنَعَ إِلَيْهِ ” : خَضَعَ لَهُ  ” قَنَّعَ الْمَرْأَةَ ” : أَلْبَسَهَا القِنَاعَ . 

واضح من تنوع معاني جذر الكلمة أنها تحمل شبهة الخنوع والخضوع والتذلل، قال تعالى : ( فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) وفي التفسير قيل : القانع الراضي بما عنده، وبما يُعطى من غير سؤال، والمعتر : المتعرض للناس مع سؤالهم العطاء . وطالما أن المعنى جملة ليس بهيا جميلا، إذن ما هو السبب في تمجيد معنى القناعة والتباهي بها وانتشار المثل القائل : القناعة كنز لا يفنى !!

 هل رأيتم صاحب سلطة يضع هذه العبارة على طاولته أو يعلقها على جداره، أو يبروزها على صدر أفعاله !!! أيما كانت هذه السلطة، سلطة سياسية، أو سلطة مالية، أو سلطة دينية، أو سلطة اجتماعي، هل سمعتم بأحد من أصحاب هذه السلطات، يردد هذه العبارة، ليعض بها نفسه !!  أعتقد  لو صح هذا،  لما رأينا حاكم يحرق شعبه ويحاربهم حرب إبادة الأعداء الألداء، مدعيا أنهم هبطوا عليه من السماء، أو خرجوا من شقوق الأرض، لكنهم طبعا ليسوا من منظومة شعبه الذي يسبح باسمه ويرتله ترتيلا، وهم ليسوا من شعبه المستكين القانع الحبيب، لذا قرر أن يبيدهم، لا لسبب فقط لأنهم لم يقنعوا بنعمة تسلطه عليهم، و قالوا ( بدنا حرية )  أو كفى لا نريدك، ولو آمن الحاكم حقا أن القناعة كنز لا يفني، لتركهم وخرج غانما سالما بأهله، وقنع من النهب بما سلب أيام قناعة الشعوب العربية، ولو آمن  بالمقولة صاحب سلطة ما، لما  كان الحال  كلما جاء مسؤول وتفاءلنا به، شفطنا وترك لنا العظم والجلد، ولو كانت القناعة كنز لا يفنى لما غشنا أصحاب المشاريع الكبيرة والصغيرة، وصرفت الملايين على مشاريع لا جدوى اقتصادية من ورائها، إلا تحري المنفعة الخاصة وفقا لقانون الشفط المجاني، وأقول باعنا بصيغة ضمير المتكلم الجمعي لأنني أقصد نحن أحفاد العرب العاربة والمستعربة، ولما باعنا البائع كرتون التفاح لامعا كبيرا على الوجه وصغيرا فاسدا عطنا من الداخل،  لو كانت القناعة كنز لا يفنى، لما تاجر فينا رجل الدين وأصبح بعضهم أشهر من نجوم السينما متنقلين من فضائية لأخرى ومطلقين الفتاوي العجيبة الساقطة، كجواز إرضاع الزميلة لزميلها في المكتب ليصبح أخاها في الرضاعة، ويحق لها فيما بعد أن تتحرر من الحجاب أمامه !!! وكفتوى بر الأم واجب، ولكن عيد الأم عقوق وشرك !!! ولو لم يصبح الدين متاجرة لما رفع معظمهم  أجره في المحطات خاصة خلال شهر رمضان  إلى المليون، لو كان الأمر كذلك ما أصبح الإفتاء في خدمة السياسة وخدمة من يدفع أكثر، إذن من قال هذه الحكمة العجيبة!! ولمن صيغت ؟  ولماذا؟    

لا أشك مطلقا أن من قالها هو أحد أصحاب تلك السلطات ، ولمن؟ طبعا للآخر الذي يتفرج عليه وهو يمصمص شفتيه، عندما  يرى رصيد الآخر  ينتفخ يوما إثر يوم، حتى لو كان الإنتفاخ سريا، فكما قيل ( تأبى الدراهم إلا أن تطلَّ رؤوسها ) يعني قيلتْ   للأغبياء الذين يراقبونه، علما بأنه قد صاغ لهم من قبل حكمة أخرى، تقول من راقب الناس مات هما، لكن هذا الحشري لازال يدس أنفه فيما لا يخصه، ويتساءل ولو سرا بينه وبين نفسه من أين لك هذا ؟؟  فجاءه الرد فورا القناعة كنز لا يفنى، أما لماذا ؟ حتى يفقأ عين حاسد إذا حسد، أو متعجب فغر فاهه شبرا ولم يستطع إلى الآن إغلاقه، رغم محاولات التنبيه، بأن الفم المفتوح خطر، لكن النصح لمن !!  ( أخوكم مفوت ) عموما لقد تآلفتْ وتشابكتْ قلوب أولئك جمعا وتعانقت مصالحهم، فوجهوا الكلمة لذلك الذي لا يملك من الأمر شيئا، سوى التسليم والخضوع، وصاغوا له الحكم الجميلة الثمينة شكلا والخاوية رصيدا، ومن هذه مقولتنا الشهيرة، القناعة كنز لا يفني، ووجهت كدواء للمحرومين وزينة يتباهون بها عندما حرموا من الزينات ومباهج الحياة، والنتيجة ( رهيب والله رهيب ) وانتدب رجل السلطة الدينية ليقوم بالمهمة فمن مثله لها !! ونجح نجاحا مبهرا ودبجت النصائح والأقوال والحكم :

عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ” أترى يا أبا ذر أن كثرة المال هي الغنى ‌ ؟‌ إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب ، من كان الغنى في قلبه فلا يضره ما لقي من الدنيا، ومن كان الفقر في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له في الدنيا ”  وصدق رسولنا العظيم فمعظم هؤلاء ( لا يعشي سنوره ) وفقا للمثل العماني الصادر على ذمة أمي، لأن الفقر في قلبه مهما اكتنز رصيده . ودفع بعضهم للشعراء فهاموا في واد الكذب، وقالوا مالا يفعلون، حتى قال أحدهم كاذبا :

أفادتني القناعة  كلَّ عــزٍّ         وأيُّ غنىً أعزّ من القناعه

فصيرها لنفسك رأسَ مالٍ     وصيرها مع التقوى بضاعه

وقال أحدهم، لا أدري مقتنعا، أم مسريا عن نفسه لئلا يستجلب لنفسه الضغط والسكر : القناعة  متطلب لكل شيء إلا في شيئين .. [العلم ] و ( العمل الصالح  ( وفي غير ذلكـ .. فـ ( اقتنع ) : ثم يعلق بنفسه على نفسه : ( نعّم القول حقاً .. سعادة (هل تعتقدون أنه مغيب أم هو من الجماعة إياهم !!! وحاك الحكاؤون حكاياتهم فقال أحدهم : يحكى أنَّ ثلاثة رجال ساروا في طريق،فعثروا على كنز، واتفقوا على تقسيمه بينهم بالتساوي، وقبل أن يقوموا بذلك أحسوا بالجوع الشديد، فأرسلوا أحدهم إلى المدينة ليحضر لهم طعاماً، وتواصوا بالكتمان، حتى لا يطمع فيه غيرهم، وفي أثناء ذهاب الرجل لإحضار الطعام حدثته نفسه بالتخلص من صاحبيه، وينفرد هو بالكنز وحده، فاشترى سمًّا ووضعه في الطعام، وفي الوقت نفسه، أتفق صاحباه على قتله عند عودته؛ ليقتسما الكنز فيما بينهما فقط، ولما عاد الرجل بالطعام المسموم قتله صاحباه، ثم جلسا يأكلان الطعام ؛ فماتا من أثر السم .. وهكذا تكون نهاية الطامعين وعاقبة الطمع .

ولست أدري أين يذهب عقلنا عندما نسمع مثل هذه الحكايات ونهز رأسنا تأثرا : حقا هذه نهاية الطمع، ولن نكون مثلهم يقتلنا طمعنا وسوء خلقنا، بل سنكون طيبين قانعين، وهنا بيت القصيد.      أيها الفقير الجميل بمثالياتك : هذا نوع من التخدير والبنج الموضعي سرعان ما ينتهي المورفين منه، وتبدأ معاناتك الحياتية، فالقناعة من وجهة نظري، ما هي إلا عجز وخنوع واستسلام حتى لا تشارك ذوي السلطات في الكيكة، فهم لا يشبعون لأن داء الفقر داخلهم ومتمكن منهم، والسؤال لماذا نتقبل الأقوال والأمثال بكل سذاجة ونتناقلها بعفوية مفرطة، ونأخذها كمسلمات منزلة مقدسة لا تقبل حتى مراجعة التفكر بها، ووضعها على محك الحياة وصيرورتها، صحيح أن القناعة هي الرضا بما قسم الله، ولو كان قليلا، وهي عدم التطلع إلى ما في أيدي الآخرين، وهي علامة على صدق الإيمان، وأن الرضا بالمقسوم من الإيمان، لكن من كشف لك غيب المقسوم ؟؟ وكيف عرفت أن هذا هو المقسوم لك !! هل أطلع أحدكم على الغيب وعرف نصيبه من المقسوم ؟ عزيزي القانع  : إنني بلا فخر أحرضك على أن لا تقنع، ومثلما حاول غيرك تغيير حياته ونجح، حاول أنت أيضا، فكما أعطاه الله عقلا أعطاك، فبما يمتاز عنك ؟؟؟ عزيزي القانع حاول واكدح وجرب وخوض تجارب الحياة، حتى يرسو بك القارب على كنز العمل وتحصد ثماره، لا تقنع أبدا بما يسقطونه لك من فتات، كافح فالحياة كفاح وجهاد، وبعدها خذ حقك من عين من قنَّعك بالقليل، وحجب عنك الفرص، عزيزي القانع لتكن حكمتك من زرع حصد، ومن جد وجد، لكن أثناء هذا العمل تذكر أن لا تدوس على الأخلاق، فبالأخلاق وحدها تكون إنسانا، وبالأخلاق وحدها تصبح في صف الأنبياء، الذين لم يبعثوا إلا ليتمموا مكارم الأخلاق، ولا تحجب عقلك وتتلقى بسذاجة كل ما يقذف إليك من أقوال ولو زينوها بغلاف الحكمة، ختاما عزيزي القانع : نعم  أحرضك لا تقنع، فإن القناعة فقرٌ لا يفنى .

                               ————–

                  د. سعيدة بنت خاطر الفارسي

Categories: عمانيات

أضف تعليقاً